الكاتبة: حنان محمد
في ليبيا، لا تقف المعلومات المضللة على هامش الصراع، بل تنخرط في صميمه. إنها ليست مجرد نتيجة جانبية، بل أداة من أدواته.
مع سقوط نظام القذافي واندلاع الحرب الأهلية الأولى عام 2011، شهدت البلاد تدفقًا هائلاً في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. في بداياته، انطلق هذا الفضاء كمساحةٍ واعدةٍ للحشد الشعبي وصحافة المواطن لكن هذه المرحلة لم تدم طويلًا إذ سرعان ما تحوّل إلى ساحة أكثر تعقيدًا، تتشابك فيها الروايات وتتضارب، ومع استمرار عدم الاستقرار، لم يتراجع هذا النمو، بل ترسّخ. اليوم، يستخدم أكثر من أربعة ملايين ليبي منصة فيسبوك في بلدٍ تراجعت فيه المؤسسات الإعلامية التقليدية بالتوازي مع تآكل مؤسسات الدولة. لم تعد وسائل التواصل مجرد منصات إضافية، بل أصبحت الفضاء الرئيسي الذي تُصاغ فيه الحقيقة.
في هذا الفضاء، لا تُعرض الوقائع كما هي، بل كما يريدها الفاعلون أن تُرى. سياسيون، جماعات مسلحة، وقوى خارجية: جميعهم يوظفون هذه المنصات لبناء رواياتهم الخاصة، وتقويض خصومهم، واستمالة الرأي العام. النتيجة ليست محض تباين في وجهات النظر، بل واقعًا منقسمًا، حيث تتعايش حقائق متعددة، لكل منها جمهورها وإطارها الخاص.
أظهرت دراسة صادرة عن BBC Media Action في يوليو 2021 حجم هذه الظاهرة حيث أن 96% من الليبيين الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم تلقوا معلومات مضللة على وسائل التواصل، ونحو 59% يرونها بشكل أسبوعي، بينما أعرب 80% عن قلقهم منها؛ لهذا وصفت منظمة مراسلون بلا حدود ليبيا بأنها “ثقب أسود للمعلومات” وصنفتها بترتيب 138 ضمن 180 دولة في المؤشر العالمي لحرية الصحافة.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في فيض المعلومات المضللة، بل في غياب البدائل الموثوقة. في مختلف أنحاء العالم، يمكن للجمهور الرجوع إلى مؤسسات إعلامية راسخة للتحقق من الأخبار، أما في ليبيا، فالمشهد الإعلامي نفسه جزء من الأزمة. معظم الوسائل الإعلامية الكبرى مرتبطة بشكل واضح بأطراف سياسية، وتعكس في تغطياتها رواياتٍ متحيزة عوضًا عن امتثالها لمعايير الصحافة المستقلة. وطالما يواجه الصحفيون التهديد والعنف، تتقلص المساحة المتاحة للعمل المهني. حتى رغمًا عن تراجع حدة القتال، لا يزال مناخ الخوف حاضرًا، في الشرق كما في الغرب، مما يُضعف استقلالية الإعلام ويقيد قدرته على أداء دوره.
هذا الوضع ليس عَرَضِيّاً فغياب إطار قانوني يحمي حرية الصحافة ويضمن الشفافية يخلق فراغًا في مجال إدارة المعلومات، وفي هذا الفراغ، يفقد الجمهور ثقته بالمؤسسات الإعلامية ويتجه نحو وسائل التواصل الاجتماعي التي حولتها الأطراف المتنازعة إلى بيئة خصبة لنشر المعلومات المضللة وتدفق الأخبار الكاذبة بلا ضوابط؛ لتصبح الحقيقة مسألة نسبية.
ضمن هذا السياق، وجد التدخل الخارجي مساحة للتجذر حتى يتلاعب بالمعلومات فروسيا، على وجه الخصوص، برزت كفاعلٍ رئيسي حيث لم يقتصر حضورها على الجانب العسكري عبر شبكة فاغنر، بل امتد إلى التأثير في فضاء المعلومات.
وثقت تحقيقات مرصد الإنترنت بجامعة ستانفورد استغلال روسيا لشبكات مرتبطة بفاغنر من أجل التأثير في الحوار السياسي داخل ليبيا حيث لم يكن الهدف مجرد التفاعل مع الأحداث، بل إعادة تشكيل كيفية فهمها. خلال ملتقى الحوار السياسي الليبي في نوفمبر 2020، على سبيل المثال، حاولت هذه الشبكات التأثير على مجريات الحوار عبر محتوى منسق ومكثف، بدا مختلفًا بوضوح عن التفاعل الرقمي المعتاد.
هذا النوع من التدخل لا يخلق تشويشًا وحسب، بل يعمّق الانقسامات. في بيئة هشة أصلًا، يمكن لمثل هذه الحملات أن تزيد التوتر وتدفع الأمور نحو مزيد من التفرقة.
لم يقتصر هذا التدخل على العالم الرقمي وحسب. في عام 2019، اعتُقل مواطنان روسيان في طرابلس بتهمة محاولة التأثير على الانتخابات ثم تبيّن لاحقًا ارتباطهما بشبكة فاغنر، ومحاولتهما للوصول إلى سيف الإسلام القذافي. هذه التحركات تشير إلى محاولات مبكرة لصياغة المشهد السياسي قبل أن تتبلور عملياته رسميًا.
بالتوازي، كانت هناك حملات رقمية منسقة تروّج لشخصيات سياسية متعددة، من بينها سيف الإسلام حيث وثقت تقارير نهج هذه الحملات التي لم تكتف بالدعاية المباشرة، بل استعادت رمزية الماضي، مستثمرةً الحنين إلى عهد القذافي، ومزجت بين الرسائل السياسية واللغة العاطفية. وقد أُديرت بعض هذه الصفحات من خارج ليبيا مع تقديم نفسها كمنصات محلية، ما زاد من قدرتها على التأثير.
في الوقت نفسه، امتدّ التدخل الروسي إلى الإعلام التقليدي فقد كشف تحقيق أجرته وسيلة إعلام روسية مستقلة تُدعى برويكْت – استنادًا إلى وثائق مسربة من مركز دوسيه – أن شبكة مرتبطة بفاغنر استحوذت على حصة بنسبة 50% في كل من قناة الجماهيرية ووكالة الأنباء الجماهيرية اللتان تتبنيان خطابًا مؤيدًا لنظام القذافي. يجدر الإشارة إلى أن قناة الجماهيرية كانت سابقًا القناة الرسمية الرئيسية في عهد القذافي، وأداة مركزية في الخطاب الإعلامي للدولة. يُبرز هذا الاستثمار الروسي محاولات الكرملين لطمس التمييز بين الإعلام الحقيقي والموجّه، كما يُوضح سبب صعوبة اكتشاف هذه الأساليب من التضليل الخارجي فهي غالبًا ما تُنفذ عبر عناصر محلية.
ويبدو أن لهذه الحملات المضللة تأثيرًا ملموسًا على الرأي العام آنذاك، حيث أظهرت استطلاعات الرأي عبر الإنترنت تصاعد شعبية سيف الإسلام القذافي في حينها ومع ذلك لم تكتمل العملية السياسية التي سعت هذه الحملات للتأثير عليها، إذ انهارت الانتخابات الرئاسية المخطط لها في 2021 لعدة أسباب من بينها خلافات قانونية حول أهلية المرشحين بما في ذلك إمكانية ترشح سيف الإسلام.
في فبراير 2026، وردت تقارير عن مقتل سيف الإسلام على يد مسلحين مجهولين. وبينما تبقى الدوافع غامضة، يبرز سؤال يصعب تجاهله: إلى أي مدى ساهمت هذه الحملات في تضخيم صورته؟ وهل يمكن أن تكون هذه الشعبية – التي صنعتها حملات التدخل الروسي إلى حدٍ ما – قد أدت إلى نتائج عكسية جعلته يبدو تهديدًا أكبر مما هو عليه فعليًا لخصومه السياسيين؟
لا توجد إجابة حاسمة ففي بيئة يمكن فيها هندسة الظهور الشعبي وتضخيم الدعم، تصبح الصورة المفبركة أحيانًا بنفس ثقل الواقع، وما يبدو كإجماع شعبي قد لا يعكس واقعًا فعليًا، لكنه يظل قادرًا على إعادة تشكيل الحسابات السياسية.
في ليبيا، لا تقتصر المعلومات المضللة على تشويه الواقع، بل تشارك فعليًا في تشكيل نتائجه السياسية فهي تصوغ التوقعات، وتؤثر في القرارات وقد تساهم في تعطيل المسارات السياسية نفسها. ليبيا لا تواجه التضليل كأثر جانبي للصراع فحسب فهو لم يعد يتمحور أساسًا حول الأرض أو السلطة فقط، بل حول الرواية ومن يملك حق صياغتها أيضًا.
- بي بي سي ميديا أكشن. (يوليو 2021). فهم تجارب مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الليبيين مع المعلومات الزائفة والمضللة على الإنترنت.
- مراسلون بلا حدود. (2026). مؤشر حرية الصحافة العالمي: ليبيا.
- هيومن رايتس ووتش. (فبراير 2015). الحرب على الإعلام: الصحفيون تحت الهجوم في ليبيا.
- غروسمان، س.؛ رامالي، ك.؛ دي ريستا، ر.؛ بايسنر، ل.؛ برادشو، س.؛ هيلر، و.؛ وهوبرت، إ. (15 ديسمبر 2020). تأجيج الصراع بضغطةر: عملية يديرهزا أفراد مرتبطون بوكالة أبحاث الإنترنت تستهدف ليبيا والسودان وسوريا. مرصد ستانفورد للإنترنت.
- رايان، م.؛ راغافان، س. (18 نوفمبر 2019). روس تم اعتقالهم كجواسيس في ليبيا كانوا يعملون لصالح شركة فاغنر الروسية، حسب مسؤول. واشنطن بوست.
- الأطرش، س. (20 مارس 2020). كيف فشلت خطة روسية لإعادة نظام القذافي في ليبيا. بلومبرغ.
- أرنولد، ت. د. (23 سبتمبر 2020). استغلال الفوضى: روسيا في ليبيا. مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).
- بادانين، ر.؛ زولوبوفا، م.؛ روبين، م. (12 سبتمبر 2019). كيف تشارك روسيا في الحرب الأهلية في ليبيا. برويكت.
- ليبيا ريفيو. (30 سبتمبر 2021). استطلاع: سيف الإسلام القذافي سيكون الرئيس القادم لليبيا.
- إيتون، ت. (5 فبراير 2026). مقتل سيف الإسلام القذافي يمثل نهاية حقبة سياسية في ليبيا. تشاتام هاوس.